محمد أبو زهرة

653

زهرة التفاسير

لأن له نابا وبراثن يفتك بها ، فالحرب أنفى للحرب ، والقوة العادلة سبيل السلم العزيزة . ولقد قرر الفقهاء أن الأصل الحرب حتى يكون عهد ، لأن الأصل بين الدول في وقت استنباطهم كان الاعتداء حتى يتعاهدوا ، فما كان الإسلام ليسالم وهم يحاربون . وَلا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ الخطوات : جمع خطوة بفتح الخاء وضمها ، وهي ما بين قدمي من يخطو ، والمعنى : لا تتبعوا سير الشيطان . وعبر عنه بخطواته لأن الشيطان والنفس الأمارة بالسوء لا تجر المرء إلى الشر دفعة واحدة ، بل تأخذه إليه درجة درجة ، فيبتدئ بأيسرها وأصغرها فيقتحمه من أغواه لصغره ، حتى إذا ألفه جرأه على ما هو أكبر منه ، ثم ما هو أكبر حتى تحيط بالنفس خطيئاتها ، وتستغرقها مآثمها ، فيكون الشرير الآثم الذي تصعب عليه التوبة ولقد قال العلماء : إن كثرة ارتكاب الصغائر تجرئ على الكبائر ، والشيطان يأتي من صغائر المعاصي ليغرس في النفوس غرس الرذائل ، فخطوات الشيطان مدارجه يغرى بالواحدة بعد الأخرى حتى يصل بالمرء إلى أقصى درجات الرذيلة . ولقد كان ذلك النهى بعد الأمر بالدخول في السلم ، لأننا إن فسرناه بالإسلام يكون المعنى ادخلوا في الإسلام كله ، ولا تحلوا عراه عروة عروة باتباع خطوات الشيطان ، وإطاعة هوى النفس الأمارة بالسوء ، فإن ذلك يذهب بالإسلام كله وبحرماته في النفس ؛ وإن فسرنا السلم بالسلام والموادعة ، فيكون المعنى : لا تحلوا وحدتكم ، ولا تتبعوا خطوات الشيطان المفرق لجماعتكم بإغرائه وتدرجه في الإغراء وإردافه المعصية المفرقة بأكبر منها حتى يكون الانقسام ، ويكون بأس المسلمين بينهم شديدا . ولقد ذيل الله سبحانه الآية بقوله : إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ أي إن الشيطان الذي يتحكم في النفس الأمّارة عدو مبين ، أي ظاهر العداوة ، بظهور آثار المآثم التي يحرض عليها ، في تفريق الجماعة ، وضياع الكلمة ، وإصابة أهل الإسلام بالذلة ،